المقريزي

176

إمتاع الأسماع

إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان : اللون لون الدم والريح ريح المسك ، فمن كان مجروحا فليقر في داره وليداو جرحه ، ولا يبلغ معي بيتي ، عزمة مني . فنادى فيهم سعد ، عزمة من سول الله ألا يتبع رسول الله جريح من بني عبد الأشهل ، فتخلف كل مجروح . فباتوا يوقدون النيران ويداوون الجراح ، وإن فيهم لثلاثين جريحا ، ومضى سعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء بيته فما نزل عن فرسه إلا حملا ، واتكأ على سعد بن عبادة وسعد بن معاذ حتى دخل بيته ، فلما أذن بلال بصلاة المغرب خرج على مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين فصلى ثم عاد إلى بيته . خبر البكاء على حمزة ومضى سعد بن معاذ إلى نسائه فساقهن حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكين حمزة رضي الله عنه بين المغرب والعشاء ، والناس في المسجد يوقدون النيران يتكمدون ( 1 ) بها من الجراح . وأذن بلال رضي الله عنه حين غاب الشفق فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس بلال عند بابه حتى ذهب ثلث الليل ، ثم ناداه الصلاة يا رسول الله ، فهب صلى الله عليه وسلم من نومه وخرج ، فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل ، وسمع البكاء فقال : ما هذا ؟ فقيل : نساء الأنصار يبكين على حمزة . فقال : رضي الله عنكن وعن أولادكن ، وأمر أن ترد النساء إلى منازلهن ، فرجعن بعد ليل مع رجالهن . وصلى رسول لله صلى الله عليه وسلم العشاء ثم رجع إلى بيته ، وقد صف له الرجال ما بين بيته إلى مصلاه يمشي وحده حتى دخل ، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه يحرسونه فرقا ( 2 ) من قريش أن تكر ، ويقال : إن معاذ بن جبل رضي الله عنه جاء بنساء بني سلمة ، وجاء عبد الله بن رواحة رضي الله عنه بنساء بلحارث ( بن الخزرج ) ( 3 ) فقال صلى الله عليه وسلم : ما أردت هذا ! ونهاهن الغد عن النوح أشد النهي . شماتة المنافقين وجعل عبد الله بن أبي سلول والمنافقون يشتمون معه ويسرون بما أصاب

--> ( 1 ) الكمادة : خرقة تسخن وتوضع على الورم أو موضع الوجع ( المرجع السابق ) ج 2 ص 798 . ( 2 ) فرقا : خوفا . ( 3 ) زيادة للإيضاح .